الغزالي

312

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

تاللّه لو كانت الدنيا بأجمعها * تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا ما كان في حقّ حرّ أن يذلّ لها * فكيف وهي متاع يضمحلّ غدا وأنشد ابن بسام : أفّ للدنيا وأيامها * فإنها للحزن مخلوقه غمومها لا تنقضي ساعة * عن ملك فيها ولا سوقه يا عجبا منها ومن شأنها * عدوة للناس معشوقه وأنشد آخر : وقائلة أرى الأيام تعطي * لئام الناس من رزق حثيث وتمنع من له شرف وفضل * فقلت لها : خذي أصل الحديث رأت جلّ المكاسب من حرام * فجادت بالخبيث على الخبيث وأنشد آخر أيضا : سل الأيام ما فعلت بكسرى * وقيصر والقصور وساكنيها أما استدعتهم للبين طرّا * فلم تدع الحليم ولا السفيها وحكي أن أعرابيا نزل بقوم ، فقدّموا إليه طعاما ، فأكل ، ثم نام في ظلّ خيمتهم . فاقتلعوا الخيمة ، فأصابه حر الشمس ، فانتبه فارتحل . وهو يقول : إلا إنّما الدّنيا كظلّ بنيته * ولا بدّ يوما أنّ ظلّك زائل وقال أيضا : ألا إنّما الدّنيا مقيل « 1 » لراكب * قضى وطرا « 2 » من منزل ثم هجّرا « 3 » وقال بعض الحكماء لصاحب له : قد أسمعك الداعي ، وأعذر إليك الطالب ، ولا أحد أعظم رزية ممن ضيّع اليقين ، وأخطأ العمل . وقال ابن مسعود : كفى بخشية اللّه علما ، وكفى بالاغترار باللّه جهلا .

--> ( 1 ) مقيل : أي مكان القيلولة وهي الراحة وقت الظهيرة . ( 2 ) قضى وطرا : أي قضى حاجته . ( 3 ) هجّرا : أي استأنف السير في شدة الحر .